أثارت القرارات المتعلقة بجدول المرتبات الموحد وحظر تصدير عدد من المنتجات الزراعية والصناعية جدلًا قانونيًا واقتصاديًا في ليبيا، وسط تحذيرات من أن معالجة اختلالات الأجور وارتفاع الأسعار وأزمة الدولار تتطلب أكثر من قرارات إدارية مؤقتة، وتستدعي إصلاحات شاملة تضمن العدالة الوظيفية وتحمي السوق المحلية وتعزز الإنتاج الوطني.
وفيما يتعلق بجدول المرتبات الموحد، أكد الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري وجود إشكاليات قانونية في القرار، مشددًا على أن رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء لا يملكان، وفق تقديره، صلاحية تعديل المرتبات أو المزايا المقررة للعاملين خارج الأطر التي يحددها القانون.
وأشار الفيتوري إلى أن نص المادة الرابعة، التي تقضي بعرض القرار على مجلس الوزراء في اجتماعه المقبل للاعتماد، يثير تساؤلات بشأن صفته القانونية ومدى جاهزيته للتنفيذ، متسائلًا عن أسباب بدء سريانه اعتبارًا من السادس من أكتوبر، رغم النص على عرضه لاحقًا للاعتماد. كما أثار مخاوف بشأن إلغاء العلاوات والمزايا السابقة إذا كانت مقررة بموجب القانون، مستندًا إلى المادة 142 من قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010.
وفي سياق متصل، شدد المحلل المالي خالد الزنتوتي على أن استمرار التفاوت في المرتبات بين الموظفين الذين تتساوى مؤهلاتهم ودرجاتهم الوظيفية يكرّس اختلالات العدالة الوظيفية، خصوصًا في ظل التضخم وتراجع القوة الشرائية للدينار الليبي، وما يفرضه ذلك من ضغوط متزايدة على مستوى معيشة المواطنين.
ودعا الزنتوتي إلى وضع جدول مرتبات عادل يراعي طبيعة المهن ومتطلبات المعيشة، ويربط الحقوق بالواجبات والأداء الوظيفي، بالتوازي مع تطوير الموارد البشرية وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية، بما يسهم في رفع الناتج المحلي وتحقيق التوازن بين حقوق الموظفين وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
أما بشأن قرار حظر تصدير بعض المنتجات الزراعية والصناعية وإعادة تصدير السلع المستوردة، فرأى رجل الأعمال حسني بي أن الخطوة تستهدف حماية السوق المحلية وضمان استقرار الإمدادات الغذائية، لكنه حذّر من محدودية نتائجها ما لم تقترن بتطبيق فعلي على المنافذ الحدودية، وتشديد الرقابة، ومكافحة التهريب والتجارة غير المشروعة.
وأوضح حسني بي أن الصادرات الزراعية والغذائية الليبية تظل محدودة مقارنة بصادرات النفط والغاز، ما يعني أن الحظر قد يسهم في زيادة المعروض المحلي والحد من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، لكنه لا يمثل حلًا مستدامًا دون دعم الإنتاج المحلي وتحسين منظومات التخزين والنقل وتقليص الفاقد.
وفيما يخص أزمة الدولار، أكد أن أسبابها أوسع من نطاق تصدير عدد محدود من السلع، وترتبط بعوامل هيكلية تشمل حجم الإنفاق العام، ومستويات السيولة، والطلب على الاستيراد، والفجوة بين أسعار الصرف، الأمر الذي يجعل معالجة الأزمة مرهونة بسياسات اقتصادية ومالية أكثر شمولًا.
وتعكس هذه المواقف، في مجملها، حجم التحديات التي تواجه صانعي القرار الاقتصادي في ليبيا، بين ضرورة ضمان مشروعية القرارات المنظمة للمرتبات، وتحقيق الإنصاف بين العاملين، وحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار، وصولًا إلى معالجة الاختلالات التي تضغط على الدينار والاقتصاد المحلي.
ويبقى نجاح هذه الإجراءات مرتبطًا بوضوح الأساس القانوني، وفاعلية التنفيذ، وقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، بعيدًا عن الحلول المؤقتة التي قد تخفف حدة الأزمة دون معالجة أسبابها الجذرية.





