Categories

طرابلس تحت المياه.. أين ذهبت مليارات البنية التحتية؟

كشفت الأمطار الغزيرة التي هطلت على شرق العاصمة طرابلس صباح اليوم هشاشة البنية التحتية وغياب المعالجات الجدية للتعامل مع الهطولات الخريفية، بعدما تسببت في شلل حركة المرور، لا سيما عقب إغلاق الطريق الدائري الثاني ومفترق البيفي، ما أدى إلى تعطّل أحد شرايين الحركة الرئيسية في المدينة.

ولم تقتصر الأزمة على الطرقات، بل امتدت إلى المنازل والمرافق العامة والخاصة، فيما غمرت المياه مناطق لم تعهد مثل هذه الفيضانات منذ عقود، بينها ميدان الشهداء، الذي ظلت مرافقه بمنأى عن الغرق، منذ أن غيّر الإيطاليون في عشرينيات القرن الماضي مجرى وادي المجينين باتجاه أبوسليم والهضبة.

أما طريق المطار، الذي كان بعيداً عن تجمعات المياه بفضل بنيته التحتية، فقد كشفت الأمطار، عن اختلالات في أعمال التوسعة والتجديد التي نفذتها حكومة الوحدة الوطنية، وأعادت التساؤلات بشأن مدى الالتزام بالمواصفات الفنية في أحد أهم الطرق الحيوية بالعاصمة.

وتحوّلت أزمة البنية التحتية إلى مأساة إنسانية بعدما أعلن مصرف الجمهورية وفاة موظفه أحمد الشوية صعقًا بالكهرباء، فيما حذّر الهلال الأحمر الليبي المواطنين من الاقتراب من أعمدة الكهرباء ومناطق تجمع المياه، لا سيما في ميدان الشهداء الذي غمرته المياه.
ومع تكرار مخاطر الصعق الكهربائي، لجأت الشركة العامة للكهرباء إلى فصل التيار عن بعض المناطق المنخفضة، في إجراء احترازي جاء وسط تفاقم الأوضاع الميدانية، ليضيف انقطاع الكهرباء إلى معاناة السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام مخاطر الفيضانات وتهديدات السلامة العامة.

ويضع هذا المشهد الحكومة أمام تساؤلات متجددة بشأن تعثر مشاريع البنية التحتية وفاعلية الإنفاق المخصص لها، في ظل الانتقادات المتعلقة بجودة التنفيذ والرقابة على الأعمال الإنشائية فقد طالت المياه مواقع ارتبطت بالدعاية الحكومية ومشاريع “عودة الحياة” من بينها ميدان الشهداء ومنظومة تصريف مياه الأمطار في مفترق البيفي، ما أعاد الجدل بشأن جدوى تلك المشاريع وقدرتها على الصمود أمام أول اختبار فعلي للأمطار الغزيرة.

لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن تغمر المياه منازل في قلب العاصمة، أو أن تضطر عائلات إلى الانتظار على أرصفة الطرق الرئيسية والفرعية، وهي تراقب مركباتها تغرق، في انتظار فرق الإنقاذ والاستجابة، بعد إطلاق مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يُتوقع أن تسارع الجهات الحكومية إلى الدفع بفرق شفط المياه وإعادة فتح الطرق ومحاولة استعادة الحركة الطبيعية، غير أن احتواء آثار الفيضانات لن يجيب وحده عن الأسئلة الأعمق المتعلقة بأسباب تكرار الأزمة، ومدى كفاءة شبكات التصريف، وآليات الرقابة على المشاريع العامة.فبين مياه تغمر الشوارع والمنازل، وخسائر تهدد سلامة المواطنين، تبدو طرابلس أمام اختبار يتجاوز الحالة الجوية الطارئة إلى مساءلة جدية لسياسات التخطيط والتنفيذ والصيانة ويبقى السؤال: أين ذهبت مليارات الدنانير المرصودة لمشاريع “عودة الحياة” إذا كانت الأمطار الغزيرة كافية لكشف مواطن الخلل في مرافق حيوية بالعاصمة؟

    اترك تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني