في خطوة لافتة وبوتيرة متسارعة، صوّت مجلس النواب بالإجماع على المصادقة على مذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وتركيا حول تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، وعلى اعتمادها، إلى جانب إلغاء القرارات المتعلقة بقطع العلاقات مع تركيا.
لا تزال الاتفاقية محورَ جدل سياسي وقانوني محلي وإقليمي، لارتباطها بنزاعات تتعلق بمنطقة الجرف القاري في شرق المتوسط الغني بالثروات النفطية والمعدنية، ولا سيما أن المصادقة الرسمية ستضع ليبيا في مواجهة اليونان، التي تتخذ موقفًا متشددًا تجاه ترسيم الحدود البحرية.
ساهم توقيت توقيع مذكرة التفاهم بين البلدين في تغذية الاستقطاب المحلي عام 2019، ولذلك قوبلت بحساسية، قبل أن تسهم الانفراجة السياسية في تقريب وجهات النظر، مع لجوء الأطراف السياسية إلى التعامل ببراغماتية مع المتغيرات الدولية.
تتوقع مصادر تركية أن تبلغ الثروة التي ستجنيها ليبيا من تحالفها معها في منطقة شرق المتوسط نحو 30 تريليون دولار من عوائد الغاز الطبيعي، بينما تباشر اليونان أعمال تنقيب استكشافية في المنطقة رغم معارضة حكومة الوحدة.
قانونيًا، تتمسك اليونان بالاتفاقية الدولية لقانون البحار التي تمنح الجزر مياهًا اقتصادية خالصة، وهو ما تعدّه سندًا يخوّلها رسم حدودها البحرية انطلاقًا من جزيرة كريت، لا من البر اليوناني، وصولًا إلى خط المنتصف بين البلدين، وهو ما ترفضه ليبيا حتى إبّان حكم نظام القذافي.
وترى ليبيا أن المرجعية في ترسيم الحدود البحرية مرجعية عُرفية تخضع لمباحثات بين البلدين، ولا سيما أنها لم تصادق على الاتفاقية الدولية لقانون البحار، ما يجعلها غير ملزمة بتنفيذ بنودها، غير أن اليونان لجأت إلى ما يسمى التحالف الثلاثي مع قبرص ومصر وإسرائيل لتعزيز نفوذها في المنطقة.
ولم تحسم ليبيا مسألة حدودها البحرية المفتوحة على دول جنوب أوروبا؛ فهناك نزاع قائم مع إيطاليا، وآخر على أجزاء من المياه الاقتصادية المحاذية لمالطا، رغم حسم بعضها من محكمة العدل الدولية، أسوةً بالجرف القاري مع تونس، إضافة إلى نزاع مرتقب مع مصر التي رسمت حدودها بشكل أحادي دون تنسيق مع ليبيا.
ويمنح التحالف الليبي التركي في هذه المرحلة ليبيا ورقة ضغط قوية لتعزيز مصالحها ورفض العبث بمقدراتها الاقتصادية، في ظل تعويل معظم دول شرق المتوسط على ترسانتها العسكرية واستغلال حالة الانقسام الداخلي لخدمة أجنداتها بمعزل عن منطق التسوية العادلة.





