في أبريل الماضي، أعلنت حكومة الوحدة إلغاء عدد من السفارات والقنصليات تحت شعار “ترشيد المال العام”، بدا الإعلان حينها خطوة إصلاحية جادة في سياق انتقادات متصاعدة لفوضى الإنفاق الخارجي.
لكن بيانات مصرف ليبيا المركزي قلبت الصورة رأسًا على عقب، بعدما كشفت استمرار الإنفاق بسخاء على بعثات يُفترض أنها أُغلقت رسميًا، هذا التناقض الصارخ لا يطرح مجرد تساؤلات إدارية، بل يكشف خللاً بنيويًا في منظومة صنع القرار، دولة تُعلن ما لا تستطيع تنفيذه.
عندما يصبح القرار حبرًا على ورق
الفجوة بين الإعلان والتنفيذ تبلغ درجة من السخرية يصعب تجاهلها، سفارات “ملغاة” استمرت في استهلاك ملايين الدنانير، الفاتيكان 6.5 مليون، ألبانيا 9.1 مليون، بوركينا فاسو 10.4 مليون، بنما 7.3 مليون، هذه الأرقام لا تعكس “التزامات متبقية”، بل إنفاقًا كاملاً يوحي بأن البعثات تعمل بكامل طاقتها.
ويرى البعض أن قرار الإلغاء أقرب إلى رسالة سياسية موجهة للرأي العام دون أدوات تنفيذية حقيقية تضمن تطبيقه، ويُرجّح أن بقاء الإنفاق مرتبط بالتزامات سابقة أو بوجود شبكات مصالح داخل بعض السفارات يصعب تفكيكها بسهولة، خاصة في غياب جهاز رقابي قادر على مراقبة تفاصيل الصرف الخارجي.
استمرار الإنفاق يشير إلى وجود آليات خفية تحمي هذه البعثات، بعض السفارات تحولت إلى “جيوب نفوذ” لشخصيات ذات مصالح متشابكة، لا تُقاوم قرارات الإغلاق بالمواجهة المباشرة، بل بأساليب أكثر مراوغة، تأجيل التنفيذ بحجة “تصفية الالتزامات”، الإبقاء على موظفين بصفة “انتقالية”، وهكذا يتحول الإغلاق من واقع إلى وهم.
المصرف مقابل الحكومة.. من يحكم فعلاً؟
أخطر ما تكشفه هذه الفضيحة هو التباعد بين المؤسسات السيادية والسلطة التنفيذية، المصرف المركزي يبدو كأنه يعمل بمنطق مستقل، غير منسجم مع القرارات المعلنة. هل يعني ذلك أن المصرف لا يأخذ قرارات الحكومة على محمل الجد؟ أم أن هناك ضغوطًا موازية تتجاوز السلطة الرسمية؟ هذا الغموض يضع علامة استفهام حول مدى السيطرة الحقيقية للحكومة على المال العام.
التنسيق بين الخارجية والمالية والمصرف المركزي يبدو معطلاً تمامًا، كل جهة تعمل في جزيرة منفصلة، دون آليات متابعة تضمن تطابق القرار مع التنفيذ.
نموذج مصغّر للأزمة الليبية
ما جرى ليس حالة معزولة، بل نموذج يلخص طبيعة الأزمة الليبية، دولة تعلن ولا تنفذ، حكومة تصدر قرارات لا تملك أدوات فرضها، ومؤسسات تعمل بمنطق متضارب. القرارات في ليبيا باتت تُقاس بـ”الصدى الإعلامي” لا بالأثر الفعلي، والنتيجة، تآكل تدريجي لمصداقية أي خطاب إصلاحي.
في غياب محاسبة فعلية، ستظل سياسات “الترشيد” مجرد ديكور إعلامي، والمطلوب ليس قرارات جديدة، بل منظومة رقابية صلبة تربط كل دينار بتبرير واضح ومتابعة دورية. دون ذلك، ستبقى السفارات “الملغاة” تنفق الملايين، وسيبقى الترشيد عنوانًا.





