حملت زيارة قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر إلى باكستان رسائل سياسية وعسكرية متعددة، عكستها الحفاوة الرسمية الكبيرة التي أُحيطت بها الزيارة، باعتبارها الأولى من نوعها لشخصية ليبية بارزة منذ عام 2011 حيث أظهر مستوى الاستقبال اهتمام القيادة الباكستانية بتطوير العلاقات مع ليبيا، وفتح آفاق تعاون تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى شراكات ذات بعد استراتيجي.
تقارب ليبي باكستاني بثقل كبير لم تظهره دول تصنف كحليف تقليدي للقيادة العامة وهو تقارب ما كان ليحدث بدون ضوء أخضر أمريكي غير ممانع لا سيما أن باكستان تعد حليفاً مقرباً وشريكا في المحور الأمريكي لمكافحة الإرهاب فكل حركاتها وسكناتها يجب أن تحظى بموافقة أمريكية مباشرة مما يرجح فرضية الرضا الأمريكي إن لم يكن توجيهاً مباشراً بفتح قنوات تواصل مباشرة بالقيادة العامة.
الولايات المتحدة كانت تراهن لسنوات على الدور التركي الذي أثبت فشلاً ظاهراً في حسم الأزمة الليبية لاسيما أنها تركيا كانت تسوق كوكيل للدور الأمريكي في المنطقة إلا أن ظهور اللاعب الباكستاني برضا أمريكي يعني تغيراً جذريا في تقييم الولايات المتحدة لمحددات الأزمة الليبية.
تدفع سياسة الرئيس ترامب باتجاه وجود قيادة قوية وحازمة في ليبيا تنهي الانقسام وحالة الاضطراب التي تعيشها البلاد منذ سنوات وهو ما فتح الطريق أمام الدور الباكستاني الذي يعني تسليحاً غير محدود وقدرة على تغيير موازين القوة على الأرض كما أنه إشارة واضحة المعالم تفتح أبواب شراكات واسعة مع دول أخرى تحول القيادة العامة لشريك دولي في المنطقة التي تعج بالتحالفات.
اتجاه يعكس سعي باكستان المحموم خلال الزيارة إلى تأكيد رغبتها في توسيع التعاون مع ليبيا في مجالات التنمية والإعمار، مستندة إلى ما تمتلكه من مخزون بشري مؤهل وخبرات واسعة في القطاعات الإنشائية والخدمية، وهي مجالات تمثل أولوية للمرحلة الحالية في ليبيا التي تشهد إطلاق مشاريع تنموية واسعة النطاق يقودها صندوق الاعمار والحكومة الليبية التي حرص رئيسها أسامة حماد على عقد شراكات واجتماعات موسعة لاستشراف آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وبرز الملف العسكري كأحد أبرز محاور الزيارة، في ظل ما تتمتع به باكستان من قدرات عسكرية متقدمة وخبرة طويلة في التصنيع العسكري وبناء القدرات الذاتية، ما يجعلها شريكاً محتملاً للجيش الوطني في مساعي تطوير منظومته الدفاعية وتعزيز استقلالية قراره العسكري، خاصة في ظل القيود الدولية المفروضة على ليبيا.
وفي السياق ذاته، عكست لقاءات نائب القائد العام الفريق صدام حفتر مع القيادات العسكرية الباكستانية، لا سيما في سلاح البحرية، اهتماماً بالاطلاع على التجربة الباكستانية في تطوير القدرات البحرية والجوية، والاستفادة من خبراتها العملياتية، خصوصاً في مناطق تشهد تنافساً إقليمياً ودولياً متزايداً.
وبعيداً عن الجوانب العسكرية والاقتصادية، يكتسب التقارب الليبي الباكستاني بعداً سياسياً وإقليمياً مهماً، نظراً لما تتمتع به باكستان من علاقات متوازنة مع قوى دولية كبرى، ما يمنح القيادة العامة مساحة أوسع للمناورة السياسية، ويعزز فرص كسر الجمود الدبلوماسي والانخراط في ترتيبات إقليمية تسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
كما يبرز في هذا التقارب البعد الدولي المتصل بعلاقات باكستان الوثيقة مع الصين والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث تشكّل هذه الشبكة من الشراكات رصيداً استراتيجياً مهماً لأي حليف إقليمي، فباكستان ترتبط بتعاون عسكري وتقني عميق مع الصين، التي لعبت دوراً داعماً في تطوير قدراتها الدفاعية، إلى جانب شراكة أمنية ممتدة مع الولايات المتحدة في ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الإقليم.
وعلى الصعيد الإقليمي، تمثل العلاقة الباكستانية السعودية أحد أبرز محاور التوازن في المنطقة، خاصة في الجوانب العسكرية والأمنية، وهو ما قد يفتح أمام ليبيا نافذة للانخراط في ترتيبات إقليمية أوسع، تعزز من حضورها السياسي والأمني، ويمنح هذا الامتداد المتعدد الأقطاب التقارب الليبي الباكستاني بعداً يتجاوز التعاون الثنائي، ليضعه في إطار تفاعلات دولية وإقليمية قادرة على دعم الاستقرار، وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية للقيادة العامة.





