Categories

استحقاق معلق.. الاستفتاء على الدستور رهين الصراعات

منذ أكثر من عقد، لا يزال الدستور أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام السياسي، بعدما تحول من استحقاق وطني جامع إلى محور صراع مزمن بين المؤسسات والأطراف المتنافسة.

وفي عام 2014، دخلت ليبيا مسارًا دستوريًا طموحًا كان يفترض أن يؤسس لدولة مستقرة بعد سنوات من الاضطراب، إلا أن هذا المسار سرعان ما تعثر، ليس بسبب غياب النصوص، بل نتيجة صراع الإرادات السياسية وتضارب الصلاحيات بين المؤسسات.

وفي فبراير 2014، انتخب الليبيون الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في أول استحقاق شعبي مباشر يهدف إلى وضع دستور دائم للبلاد. ومع مباشرة الهيئة أعمالها في مدينة البيضاء بين عامي 2014 و2016، واجهت تحديات أمنية وسياسية، لكنها واصلت عملها إلى أن أعلنت، في يوليو 2017، إقرار مشروع الدستور بأغلبية أعضائها، ليصبح النص جاهزًا من الناحية القانونية، لكنه معلقًا سياسيًا.

ومنذ ذلك التاريخ، انتقل الخلاف من مرحلة الصياغة إلى مرحلة الإقرار، حيث تمسك مجلس النواب بحقه الحصري في إصدار قانون الاستفتاء على مشروع الدستور، رافضًا أي شراكة تشريعية في هذا الملف، بينما أصر المجلس الأعلى للدولة على ضرورة التوافق الكامل على قانون الاستفتاء، معتبرًا أن تمريره بشكل منفرد يُفقده الشرعية السياسية.

في المقابل، وجدت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نفسها خارج دائرة الحسم، مؤكدة أنها لا تستطيع الشروع في أي إجراءات عملية دون وجود قانون استفتاء نافذ وواضح يحدد القواعد والآليات، وهو ما زاد من حالة الجمود.

وتعمق الخلاف أكثر عند التفاصيل الفنية التي تحولت إلى نقاط صراع رئيسية، أبرزها عدم التوافق على نسبة القبول المطلوبة لتمرير الدستور في الاستفتاء الشعبي، حيث انقسمت الآراء بين اعتماد الأغلبية المطلقة أو اشتراط نسب قبول خاصة بالأقاليم التاريخية. كما برز خلاف آخر حول توزيع الدوائر الانتخابية وما إذا كان التصويت سيتم على أساس وطني موحد أم وفق تقسيمات إقليمية، في ظل مخاوف من اختلال التوازن الجغرافي والسياسي.

إلى جانب ذلك، أثار الجدل حول آلية التصويت انقسامًا إضافيًا، خاصة ما يتعلق بالتصويت على مشروع الدستور كـ«نص كامل» أو السماح بالتصويت على المواد بشكل منفصل، وهو خلاف عكس انعدام الثقة بين الأطراف أكثر مما عكس خلافًا قانونيًا بحتًا.

وبين نص دستوري أُنجز منذ سنوات، ومؤسسات عاجزة عن التوافق على آلية عرضه على الشعب، بقي الدستور رهينة التجاذبات السياسية، ما أدى إلى استمرار المراحل الانتقالية وتعدد الأجسام الحاكمة. وهكذا، لم تعد أزمة الدستور مرتبطة بمحتواه، بقدر ما أصبحت اختبارًا لإرادة الطبقة السياسية في تسليم القرار النهائي للشعب.

    اترك تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني