Categories

استبدال الدينار بالدولار.. مقترح يشعل آراء الخبراء بين التأييد والتحذير

أثار مقترح اعتماد الدولار الأمريكي بدلًا من الدينار الليبي لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، وسط انقسام آراء الخبراء بشأن قدرته على معالجة أزمة الطلب المتزايد على الدولار، بين من يرى فيه خيارًا يستحق الدراسة لحماية المدخرات، ومن يحذّر من تداعياته على الاستقرار الاقتصادي والسيادة النقدية للدولة.

وحذّر الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي من أن اعتماد الدولار عملةً رسمية بديلة عن الدينار قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلًا من حلها، في ظل انتشار الفساد، مشبّهًا هذه الخطوة بصبّ الزيت على النار. من جانبه، حذّر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف من انتقال الاقتصاد الليبي تدريجيًا من استخدام الدولار في التسعير والادخار إلى اعتماده وسيلةً للتبادل والدفع، معتبرًا أن ذلك يمثل إحدى صور الدولرة التي قد تتوسع مع تراجع الثقة في العملة الوطنية.

بدوره، حذّر الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري من مقترح إلغاء الدينار واعتماد الدولار في جميع المعاملات المحلية، معتبرًا أن هذه الخطوة ستؤدي إلى فقدان ليبيا استقلالها النقدي والاقتصادي، وستحدّ من قدرتها على التحكم في عرض النقود وأسعار الفائدة وسعر الصرف، فضلًا عن خسارة عائدات إصدار العملة. كما أشار إلى أن الدولرة ستضعف قدرة البلاد على مواجهة انخفاض أسعار النفط والأزمات الاقتصادية، محذرًا من مخاطر تجميد الأرصدة الدولارية أو عرقلة التجارة واستيراد المعدات النفطية في حال نشوب خلافات سياسية مع الولايات المتحدة.

في المقابل، أكد الخبير المصرفي نعمان البوري أن مقترح الأستاذ محمد الصافي باستخدام الدولار بدلًا من الدينار لمدة تتراوح بين خمس وعشر سنوات يستحق نقاشًا اقتصاديًا جادًا، بعيدًا عن الرفض التلقائي باسم السيادة النقدية. وأوضح أن الدولرة قد تسهم في حماية قيمة المدخرات، لكنها لن تعالج الفساد أو الإنفاق المنفلت، مشددًا على ضرورة تقييم جدواها وتكاليفها ومخاطرها، ومؤكدًا أن الدفاع الحقيقي عن الدينار يكون بحماية قيمته وتعزيز الثقة فيه.

من جهته، رفض الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة المقترح، معتبرًا أنه يفتقر إلى الأساس الاقتصادي السليم، وقد يؤدي إلى تفاقم التضخم وتهديد استقرار المنظومة المصرفية والسيادة النقدية للدولة. وأوضح أن الأزمة لا تكمن في الدينار ذاته، بل في ضعف المؤسسات والفساد وسوء إدارة الموارد والسياسات الاقتصادية الخاطئة، مشددًا على ضرورة إصلاح المؤسسات وتبني سياسات تحقق الاستقرار الاقتصادي، بدلًا من التخلي عن العملة الوطنية، ومحذرًا من أن الدولرة قد تعمّق التبعية الاقتصادية وتعرّض ليبيا لمخاطر إضافية.

وفي السياق ذاته، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أيوب الفارسي أن تفشي ظاهرة الدولرة يمثل تهديدًا للسيادة المالية والاقتصاد الوطني، مشددًا على أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاح الاختلالات الهيكلية، وتوحيد المؤسسات المالية، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، بعيدًا عن السيناريوهات الكارثية. وأكد الفارسي أن الحلول ممكنة وليست مستحيلة، في إشارة إلى أهمية معالجة جذور الأزمة بدلًا من اللجوء إلى خيارات قد تترتب عليها تداعيات اقتصادية طويلة الأمد.

ويعكس تباين مواقف الخبراء حجم الجدل بشأن مستقبل السياسة النقدية في ليبيا، بين من يرى ضرورة مناقشة الدولرة كخيار محتمل لحماية المدخرات، ومن يعتبرها مخاطرة قد تقوّض استقلال القرار الاقتصادي. وفي ظل هذه الآراء، تبرز إصلاحات المؤسسات المالية، ومكافحة الفساد، وضبط الإنفاق العام، وتعزيز الثقة في الدينار الليبي بوصفها محاور أساسية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية وتحقيق الاستقرار النقدي.

    اترك تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني