شهدت طرابلس خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الجرائم العنيفة التي وقعت في الشوارع العامة وأمام مرأى المارة، وسط تساؤلات عن قدرة الأجهزة الأمنية على منع هذه الاعتداءات وملاحقة مرتكبيها، في مشاهد باتت توحي بأن استخدام السلاح في تصفية الحسابات أصبح يتم دون خشية واضحة من الملاحقة أو العقاب.
وكانت إحدى أكثر الوقائع إثارة للصدمة حادثة استهداف السيدتين “رندا صقر” و”أريج السائح” على طريق الشط في تاجوراء، بعد تعرضهما لإطلاق نار إثر مطاردة على الطريق العام، ما أدى إلى انقلاب السيارة ومقتل السيدتين وإصابة السائق، في حادثة أثارت حالة من الاستياء، خصوصاً أن تاجوراء ظلت لفترات تُعد من المناطق الأكثر استقراراً نسبياً داخل العاصمة.
أثارت طريقة التعامل مع الحادثة بدورها انتقادات واسعة، بعدما بقيت جثتا السيدتين في موقع الجريمة، وسط غياب واضح للاستجابة الإسعافية والأمنية، قبل نقلهما إلى المستشفى، لتبدأ لاحقاً روايات تشكك في سلوك الضحيتين بدلاً من التركيز على ملابسات الجريمة والبحث عن مرتكبيها، في وقت تدور فيه شبهات حول تورط تشكيل مسلح نافذ في المنطقة.
لم تكن الواقعة معزولة، إذ شهدت العاصمة حادثة إطلاق نار أخرى أمام القبة الفلكية، أسفرت عن مقتل أيهم عبدالرحمن التاجوري وإصابة عبدالمهيمن عزالدين الجدي وشقيقه عبدالرحمن عزالدين الجدي، ونقلهما إلى العناية المركزة، في حادثة وقعت في منطقة يفترض أن تشهد حضوراً أمنياً بحكم تمركز قوة تابعة لجهاز الردع فيها.
تعكس هذه الوقائع، بصرف النظر عن نتائج التحقيقات ومسؤولية الأطراف المتورطة فيها، مستوى مقلقاً من هشاشة الوضع الأمني في العاصمة، في ظل غياب توضيحات رسمية كافية للرأي العام بشأن ملابسات الجرائم وهوية مرتكبيها.
يأتي ذلك في وقت ينشغل فيه وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي بإدارة تفاهمات وتسويات مع قوى مسلحة نافذة، بينما تبقى قدرة الوزارة على فرض القانون في مناطق نفوذ تلك التشكيلات موضع تساؤل.
تطرح طريقة تنفيذ عمليات التصفية في وضح النهار، وفي مناطق مكتظة بالسكان، سؤالاً أكبر حول حدود سلطة الدولة وقدرتها على ملاحقة المسلحين خارج المؤسسات الرسمية، خصوصاً عندما تكون الجرائم مرتبطة بتشكيلات تتمتع بنفوذ أمني واجتماعي ففي ظل استمرار غياب نتائج واضحة في بعض القضايا، يخشى المواطنون من تحول الجرائم إلى وقائع تُسجل ضد مجهول، بما يعزز شعور الإفلات من العقاب.
كما أعادت حادثة استهداف السيدتين النقاش حول تعامل السلطات مع الجرائم التي تطال النساء، ولا سيما في ظل تصريحات ومواقف سابقة لوزير الداخلية بشأن سلوك النساء في الفضاء العام، الأمر الذي يثير انتقادات حول ضرورة أن تكون حماية الضحايا وكشف ملابسات الجرائم أولوية بصرف النظر عن جنس الضحية أو خلفيتها أو ظروفها الشخصية.
وسبق أن أثارت قضية مقتل المواطنة خنساء المجاهد جدلاً واسعاً بشأن بطء كشف ملابسات الجريمة، فيما بررت وزارة الداخلية صعوبة تحديد الجناة بعدم القدرة على توفير كاميرات مراقبة في كل شارع ومنزل، وهو تبرير أعاد إلى الواجهة أسئلة حول أدوات التحقيق الجنائي وقدرة الأجهزة الأمنية على جمع الأدلة والوصول إلى الجناة.
وترسم سلسلة الحوادث الأخيرة صورة قاتمة للوضع الأمني في طرابلس، وتضع حكومة الوحدة أمام اختبار مباشر يتعلق بقدرتها على حماية المواطنين وفرض القانون، في ظل تزامن الأزمات الأمنية مع أزمات الكهرباء والمياه والسيولة والوقود، فبينما تتراكم الملفات المعيشية، يبقى غياب الأمن ومحدودية القدرة على كشف مرتكبي الجرائم أحد أكثر المؤشرات خطورة على تراجع حضور الدولة في العاصمة





