تكشف مراسلة رئيس الشركة القابضة للاتصالات المقال يوسف أبوزويدة الموجهة إلى ديوان المحاسبة والتي تحصّلت عليها البوصلة بشكل حصري، عن صورة مقلقة لإدارة واحدة من أهم الشركات السيادية في البلاد، حيث لا تتوقف الإشكالية عند حدود سوء الإدارة أو ضعف الحوكمة، بل تمتد إلى نمط متكامل من التوسع غير الرشيد في الإنفاق، وتفريغ مؤسسات الدولة من أدوارها لحساب قرارات فردية واتفاقيات مشبوهة.
المراسلة لا تُعد مجرد إحاطة إدارية، بل وثيقة اتهام سياسية واقتصادية، تُظهر كيف يمكن لمؤسسة سيادية أن تتحول خلال سنوات قليلة إلى عبء مالي، بدل أن تكون رافعة للاقتصاد الوطني، في ظل غياب الرقابة المسبقة، وتراجع دور الجمعيات العمومية، واستسهال تمرير قرارات كبرى دون سند قانوني أو اقتصادي، وهو ما يفسر ضعف العوائد المحالة لمصرف ليبيا المركزي.
-إنفاق بلا بوصلة.. وقرارات خارج القانون
أبرزت المراسلة حجم التوسع في الإنفاق دون مردود، سواء عبر تشكيل عشرات اللجان الوهمية، أو إبرام عقود توظيف وتعاون دون حاجة فعلية، أو تمرير مشاريع تحت لافتة “التحول الرقمي” دون دراسات جدوى، ما أدى إلى استنزاف السيولة وتعطيل المشاريع الاستراتيجية الحقيقية.
الأخطر من ذلك، هو تجاهل صريح لتعليمات ديوان المحاسبة، خصوصًا في ما يتعلق بالإنفاق على بند المسؤولية الاجتماعية منذ عام 2021، وتحميل مصروفات غير مشروعة على بنود حكومية أخرى، في سلوك يعكس استخفافًا بالرقابة، وتحايلاً محاسبيًا يرقى إلى شبهة إهدار المال العام.
على مستوى شركات المجموعة، تكشف الرسالة عن نمط أكثر خطورة، يتمثل في تركيز القرار بيد رئيس مجلس الإدارة السابق، والتصرف في حسابات الشركات التابعة، وخصم المصروفات من أرباحها دون سند، ما أدى إلى شح السيولة وتراكم الالتزامات.
-امتيازات ضخمة خارج المنافسة
أشارت المراسلة التي انفردت بها البوصلة أيضا إلى قضية الوكالات الحصرية، لا سيما ما يتعلق بشركة “ليبيا سيل” وشركة “روافد ليبيا”، حيث مُنحت امتيازات ضخمة خارج منطق المنافسة، وأُقصيت شركات وطنية تابعة للدولة من اختصاصاتها، في مقابل تمكين شركات خاصة من تحقيق أرباح مضاعفة، بعضها – بحسب المراسلة – بالنقد الأجنبي، وعلى حساب مقدرات الدولة.
رغم ذلك، تشير المراسلة إلى أن الإدارة الحالية شرعت في مسار إصلاحي، انعكس في ترشيد الإنفاق بنسبة 71%، وتحقيق نمو لافت في صافي الأرباح، وهو ما يكشف أن الخلل لم يكن هيكليًا بقدر ما كان إداريًا وسياسيًا.
غير أن وصول الأمر إلى حد اقتحام مسلح لمقر الشركة بعد الشروع في الإصلاح، يفتح بابًا أخطر للنقاش: هل باتت محاولات الإصلاح في المؤسسات السيادية تهديدًا لمصالح نافذة؟ وهل تحوّلت بعض الشركات العامة إلى مناطق نفوذ محمية بالقوة؟
المراسلة، في جوهرها، ليست فقط طلب دعم من ديوان المحاسبة، بل اختبار حقيقي لإرادة الدولة في حماية المال العام، وفرض الحوكمة، وكسر الحلقة المفرغة بين الفساد والإفلات من المحاسبة.





