كشف تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 عن صورة مالية واقتصادية متشابكة تعكس التناقض بين نمو الأصول والاحتياطيات من جهة واستمرار العجز والمخالفات والفساد من جهة أخرى. فقد بلغ مجموع الأصول لدى المصرف المركزي نحو 677 مليار دينار بزيادة قدرها 15% عن عام 2023، فيما ارتفعت الأصول بالعملة المحلية بنسبة 36%، وتجاوزت الاحتياطيات 409 مليارات دينار بما يعادل 83 مليار دولار أمريكي. كما سجلت الإيرادات العامة لسنة 2024 نحو 174.8 مليار دينار مقابل نفقات بلغت 169.2 مليار دينار، ليحقق الميزان المالي فائضًا قدره 5.57 مليار دينار، بينما ظل الدين العام ثابتًا عند حدود 84 مليار دينار منذ عام 2020.
ورغم هذه المؤشرات، أظهر التقرير أن تكلفة مقايضة المحروقات بالنفط الخام بلغت 44.5 مليار دينار دون إدراجها في سجلات وزارة المالية، ما أدى إلى تشوه البيانات الرسمية. كما ارتفعت مصروفات قطاع النفط إلى 32.5 مليار دينار وسط توسع ملحوظ في الإنفاق الخارجي، ورصد الديوان مخالفات واسعة شملت تضخيم الميزانيات، استئجار مساكن لموظفين بقيمة تصل إلى 30 ألف دينار شهريًا، تجزئة عقود توريد سيارات للتحايل على الرقابة، إضافة إلى تعيينات مباشرة لأشخاص دون مؤهلات أو خبرة نفطية.
وفي مجال الاستثمارات، تكبد الصندوق الليبي للاستثمار الداخلي خسائر بلغت 3.4 مليار دولار في النصف الأول من العام، فيما سجلت المؤسسة الليبية للاستثمار أصولًا بقيمة 72.8 مليار دولار بزيادة محدودة قدرها 1.1 مليار عن العام السابق، لكنها واصلت تسجيل خسائر في محفظة الاستثمارات طويلة المدى وشركات الإسكان والسياحة والفندقة. كما أشار التقرير إلى مخالفة المصرف المركزي لضوابط الاستثمار عبر إيداع 2.5 مليار دولار لدى المصرف الليبي الخارجي بدلًا من المصارف العالمية، في وقت لم تتجاوز عوائد استثمارات المصرف الليبي الخارجي في دول الساحل 13.6 مليون دولار من أصل تكلفة بلغت 118.9 مليون دولار، أي بنسبة لا تتعدى 11%، مع خسائر في مصرف النيجر وتأميم مصرف بوركينا التجاري الذي يمتلك فيه المصرف الليبي نصف الحصة.
أما على صعيد الإنفاق الحكومي، فقد أنفقت حكومة الدبيبة أكثر من 856 مليون دينار من الباب الرابع لصالح هيئة أسر الشهداء والمفقودين، دون إدراج دعم المحروقات ضمن هذا الباب، كما استحدثت جهات جديدة ممولة من نفقات الدعم مثل الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان التي حصلت على 1.56 مليار دينار، والمركز الوطني لإدارة الأزمات بـ30 مليون دينار، والهيئة الوطنية لسباق الخيل بـ15 مليون دينار. وارتفعت مرتبات البعثات والسفارات بالخارج إلى نحو 2 مليار دينار مقابل 1.45 مليار في 2023 بنسبة زيادة 37%، مع ارتفاع عدد الدبلوماسيين إلى 2106 مقارنة بـ1923 في العام السابق، فيما ارتفع حجم الباب الأول الخاص بالمرتبات إلى 67.6 مليار دينار في 2024 مقابل 59.9 مليار في 2023 و47.1 مليار في 2022. كما رصد التقرير إيفاد 11 مسؤولًا حكوميًا للخارج وصرف علاوات بدل مبيت بقيمة 119.8 ألف دينار رغم حصولهم على سكن مجاني، إضافة إلى تكاليف حجز عبر شركة خاصة بلغت 447.8 ألف دينار، وهو ما اعتبره الديوان كسبًا غير مشروع.
وفي ملف أملاك الدولة، سجل التقرير تنازلات مثيرة للجدل لصالح شركة شمال أفريقيا للتنمية والاستثمار بأسعار زهيدة مقارنة بالقيمة الحقيقية، مثل أرض سوق أبوسليم القديم التي بيعت بـ204.7 ألف دينار بينما قيمتها الحقيقية لا تقل عن 8.3 مليون دينار، إلى جانب استيلاء الشركة على عقارات حكومية وإبرام عقود مشبوهة مثل تطوير مصنع مشروبات أبوسليم بتكلفة 200 مليون دينار، إضافة إلى تحميل شركة زلاف النفطية تكاليف غير مبررة لحفر آبار مائية.





