في خطوة قانونية بارزة، مثل خالد الهيشري مؤخرًا أمام الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بتهم تشمل ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، شملت القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي داخل سجن معيتيقة خلال الفترة من فبراير 2015 إلى مطلع 2020.
يمثل هذا التطور علامة فارقة في ملف الانتهاكات داخل ليبيا، ويمنح الضحايا فرصة لإسماع أصواتهم، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن ثغرة عميقة، عجز الدولة الليبية عن معالجة الانتهاكات داخليًا، وخطر تحول العدالة الدولية إلى بديل دائم عن القضاء الوطني المفترض.
المحاكمة: فرصة للعدالة أم انتقائية مقلقة؟
المحكمة اعتمدت على تقارير أممية ووثائق حقوقية تراكمت على مدار سنوات، تكشف حجم الانتهاكات التي ارتبطت بإدارة مجموعات مسلحة امتلكت نفوذًا سياسيًا وأمنيًا في طرابلس، ومع ذلك، يثير الاقتصار على الهيشري وحده مخاوف بشأن “العدالة الانتقائية”.
الاقتصار على شخص واحد، رغم أهميته الرمزية، قد يحول المحاكمة إلى “قربان سياسي” يُقدم لامتصاص الضغط الدولي، دون أن يمس المنظومة الأوسع التي سمحت بالانتهاكات واستفادت منها، هذا الوضع يعزز القلق من أن العدالة الدولية، رغم نبل غاياتها، قد تتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم لأهداف سياسية أكثر منها لإحقاق عدالة شاملة.
غياب القضاء الوطني.. فراغ تملؤه العدالة الدولية
في غياب مؤسسات قضائية وطنية قوية ومستقلة، تصبح العدالة الدولية بديلاً لا محيد عنه، وهو ما يعكس ضعف الدولة الليبية في محاسبة المسؤولين داخليًا، هذا الوضع ليس مجرد ثغرة إجرائية، بل يمثل تآكلًا تدريجيًا لسيادة الدولة على أراضيها. عندما تعجز الدولة عن محاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى، فإنها تفقد أحد أهم مظاهر السيادة، احتكار العدالة.
الحقوقية نيفين الباح أكدت أن دعمها للمحاكمة لا يتناقض مع القلق من التداعيات السياسية والأمنية المحتملة، مشيرة إلى أن غياب موقف وطني موحد وقضاء وطني مستقل قد يجعل الدولة الليبية رهينة للعدالة الدولية، مع احتمال أن تُستخدم الملاحقات لأهداف سياسية أو لاستهداف أموال عامة للدولة، وأكدت أن العدالة الحقيقية يجب أن تبدأ من مؤسسات الدولة نفسها، حيث يمكن ضمان محاكمات عادلة وشاملة لجميع المتورطين.
خطر التحول إلى أداة سياسية
استمرار الاعتماد على العدالة الدولية دون تعزيز القضاء الوطني يحمل خطرين، الأول، تحول المحاكمات إلى أداة رمزية تُستخدم لإظهار الالتزام بالعدالة دون معالجة جذور الانتهاكات أو تفكيك المنظومات التي سمحت لها بالاستمرار. الثاني، احتمال استخدام الملاحقات الدولية لأهداف سياسية، حيث يُحاكم البعض بينما يُحمى آخرون بناءً على توازنات قوى إقليمية أو دولية.
هذا الوضع يجعل العدالة الدولية، رغم أهميتها، عرضة لأن تصبح “عدالة انتقائية” تخدم أجندات أكثر مما تخدم الضحايا.
منظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا رحبت بالمحاكمة، لكنها شددت على ضرورة توسيع نطاق التحقيق ليشمل جميع المسؤولين عن الانتهاكات، مع التعاون الكامل من الدول الأطراف لضمان محاسبة شاملة لا تقتصر على أفراد بعينهم.
الحل الأمثل لا يكمن في رفض العدالة الدولية، بل في دمجها مع بناء مؤسسات قضائية وطنية قوية ومستقلة، قادرة على محاسبة جميع المسؤولين داخليًا. العدالة الدولية يجب أن تكون مكملة، لا بديلة، للقضاء الوطني. الدولة الليبية بحاجة إلى استثمار هذه اللحظة لتعزيز مؤسساتها القضائية، وضمان محاكمات شاملة وشفافة، تحفظ حقوق الضحايا وتدعم سيادة الدولة على أراضيها.





