في لحظة سياسية نادرة، يعيش المشهد الليبي تقاطعًا غير معتاد بين مطالب الشارع وخطاب المؤسسات الرسمية حول الانتخابات الرئاسية، هذا التزامن، يطرح تساؤلات أعمق من مجرد الحماس الانتخابي، هل نشهد فعلاً تحولاً حقيقيًا في ميزان القوى الداخلية؟ أم أن المؤسسات تعيد تدوير خطابها لامتصاص الضغط الشعبي؟
الشارع يستعيد صوته.. حراك بنكهة سياسية واضحة
خرجت مظاهرات في مناطق متعددة تحت مطلب واحد، تحديد موعد عاجل للانتخابات الرئاسية كمخرج وحيد من “دوامة الانقسام” التي استنزفت البلاد لسنوات، الحراك لم يكن مجرد تعبير عن إحباط عام، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشعب لم يعد مستعدًا لتحمل استمرار الفترة الانتقالية التي تحولت إلى حالة دائمة.
المؤسسات تلتقط الرسالة
الاستجابة الرسمية جاءت سريعة ومتعددة الأطراف، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح طالب المفوضية بتنفيذ قانون الانتخابات الرئاسية “دون تأخير”، رئيس الحكومة أسامة حماد أعلن أن الحكومة “تضم صوتها لصوت الشعب”، ونائب رئيس البرلمان مصباح دومة دعا لفتح باب الترشح أمام الجميع.
المفوضية.. الصامت الأبرز في المشهد
وسط هذا الزخم، تبقى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الحلقة الأضعف والأكثر صمتًا، الجميع يوجه إليها النداءات، لكنها لم تقدم حتى الآن موقفًا واضحًا أو جدولاً زمنيًا محددًا.
المجتمع الدولي.. الضيف الثقيل في المعادلة
الدعوات المتكررة من المسؤولين الليبيين للمجتمع الدولي بـ”احترام إرادة الليبيين” و”عدم التدخل” تكشف إدراكًا ضمنيًا بأن القرار النهائي ليس بيد الليبيين وحدهم، فالتجربة السابقة أثبتت أن أي مسار انتخابي في ليبيا يمر عبر بوابات إقليمية ودولية، وأن الإرادة المحلية وحدها لا تكفي لتحريك العملية.
ربما التقاء الشارع مع المؤسسات، يخلق “ضغطًا سياسيًا مركبًا” قد يصعب تجاهله، لكن التاريخ الليبي الحديث يدعو للحذر، وعود بالانتخابات تُطلق، مواعيد تُحدد ثم تُؤجل، وحماس شعبي يتبخر عند أول عقبة.
الاختبار الحقيقي ليس في التصريحات، بل في الخطوات العملية، هل ستحدد المفوضية موعدًا؟ هل ستُحل العقبات القانونية؟ هل ستتفق الأطراف على آلية عادلة؟ وهل سيسمح المجتمع الدولي بانتخابات قد تُفرز نتائج لا تتوافق مع حساباته؟
دون إجابات واضحة على هذه الأسئلة، يبقى الحديث عن الانتخابات مجرد “موسيقى تصويرية” لمشهد سياسي معتاد، ضجيج كبير، وحركة ظاهرية، لكن الواقع يبقى على حاله.





