لم تكن الضرائب التي فرضها مجلس النواب على السلع والخدمات مفاجئة لمتابعي الشأن الاقتصادي الليبي، فهي إجراءات تماشت مع الانهيار المتواصل للدينار واستمرار وتيرة الإنفاق الحكومي، الذي يصفه المصرف المركزي بـ”المنفلت”، في ظل وجود حكومتين بـ70 وزيرًا ينفقان بدون قانون ميزانية موحدة، كما أنهما لا يقفلان الحساب الختامي السنوي، في تحدٍ صارخ لنظم الرقابة والحوكمة.
لجأ المصرف المركزي لتثبيت سعر الصرف بنحو 6.40 دينار مقابل الدولار الأمريكي، بعد أن أجرى تخفيضًا للدينار أمام وحدة حقوق السحب الخاصة بنسبة 14.7%، بالإضافة إلى منح شركات الصرافة، التي ستبدأ عملها مطلع فبراير القادم، هامش ربح يبلغ 4% عند تعامل الزبائن بالكاش، بينما يخفّض إلى 2.5% عند التعامل بالحوالات والصكوك، في خطوة لتشجيع التعامل الرقمي وضبط تداولات العملة في السوق الموازي عند حاجز 8 دنانير.
-سعر صرف ثابت وضرائب متفاوتة
قانونيًا، يملك مجلس إدارة المصرف المركزي تعديل سعر الصرف، وهو ما فعله مؤخرًا وفق آليات السياسة النقدية، بينما يملك مجلس النواب سلطة إقرار الضرائب، وهي سلطة استخدمها أيضًا بإقرار حزمة من الضرائب تتفاوت بين 2% و35% على السلع والخدمات. هذه الضرائب سيتم إضافتها إلى سعر الصرف، فمثلًا إذا اشتريت سيارة جديدة قدرتها أكثر من 30 حصانًا، ستكون الضريبة 35% تضاف إلى سعر الصرف، بمعنى أنك ستضطر إلى شراء الدولار بـ8.64 دينار، وهو عمليًا يعني وجود أكثر من سعر لبيع الدولار.
تهدد الحزمة الضريبية الأخيرة المستوى المعيشي للمواطنين بشكل مباشر، لا سيما وأنها شملت شرائح ضريبية على الأدوية والسلع الغذائية ومنتجات النظافة الشخصية، وهي ضرائب ارتفعت بالتوازي مع انخفاض قيمة الدينار، دون وجود معونات اجتماعية تخفف الأعباء المعيشية، مما يعني أنها ستستهدف جيوب المواطنين الذين ستتأثر قدرتهم الشرائية، وسيجدون صعوبة بالغة في تلبية احتياجاتهم المعيشية.
-عجز المركزي يهدد السياسة النقدية
تثير هذه التحديات تساؤلات جدية عن جدوى وجود المصرف المركزي، الذي ظل عاجزًا عن إدارة السياسة النقدية، وفشل في حماية الدينار وتوفير السيولة النقدية للمواطنين. إلا أن السيناريو الأخطر هو استغلال “تجار الاعتمادات” للتفاوت الضريبي بين السلع والخدمات، وتزوير الإقرارات الجمركية المتعلقة بتوريد السلع.
ورغم خطورة الحزمة الضريبية الأخيرة، إلا أنها قد تكون مقدمة لخطوات اقتصادية أشد سوءًا، مع استمرار الإنفاق الحكومي وغياب إيرادات مستدامة، قد تدفع المركزي، العاجز عن ضبط الموقف، لتعويم الدينار مع لجوئه المستمر لتعديل سعر الصرف بصيغ مختلفة، في ظل سياسة شد الأحزمة التي ينتهجها المركزي في مواجهة المواطنين، بالتوازي مع المرونة والتسهيلات الكبيرة التي يحصل عليها التجار، الذين يختبئون تحت شعار توفير السلع الأساسية.





