شهدت الساحة السياسية خلال عام 2025 حالة واضحة من الجمود والتعطّل، عكست استمرار الانقسام المؤسساتي وغياب الإرادة السياسية اللازمة لإحداث اختراق حقيقي في مسار الأزمة الممتدة منذ أكثر من عقد، ورغم تعدد المبادرات واللقاءات، ظل المشهد العام محكوما بمنطق إدارة الأزمة بدلا من حلها، في ظل تآكل الثقة بين الأطراف وتضارب المصالح الداخلية والخارجية.
وعلى المستوى الدستوري، استمر الخلاف الحاد بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول القاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، دون التوصل إلى صيغة توافقية تحظى بقبول واسع. وتكررت جولات النقاش دون نتائج ملموسة، وسط اتهامات متبادلة بتعطيل الاستحقاق الانتخابي وتغليب الحسابات السياسية الضيقة على المصلحة الوطنية، وكان أخر هذه الخلافات بينهم بعد إقرار مجلس النواب استكمال مجلس مفوضية الانتخابات وهو ما رفضه مجلس الدولة
أما على مستوى السلطة التنفيذية، فقد تعمق الانقسام بين الحكومتين المتنافستين، مع استمرار حكومة الوحدة في طرابلس وسط موجة كبيرة من الاحتجاجات اليومية للمطالبة بإقالتها، مقابل الحكومة الليبية في الشرق، وهو ما عزز حالة الازدواج في القرار المالي والإداري وأربك عمل المؤسسات السيادية.
سياسيًا، فشلت محاولات توحيد المواقف بين القوى والأجسام السياسية، في ظل غياب توافق حقيقي حول خارطة طريق واضحة المعالم، سواء فيما يتعلق بترتيب المرحلة الانتقالية أو تحديد جدول زمني ملزم للانتخابات. كما لم تنجح اللقاءات التي عقدت داخل ليبيا أو خارجها في ردم الهوة بين الفرقاء، وظلت في إطار البيانات العامة دون التزامات قابلة للتنفيذ.
أمنيًا، ورغم تراجع وتيرة المواجهات المسلحة مقارنة بالسنوات السابقة، فإن حالة اللاسلم واللاحرب ظلت حاضرة خلال عام 2025، مع استمرار بقاء السلاح خارج سلطة الدولة وتعدد مراكز النفوذ. وشهدت البلاد جولات عنف متقطعة، أبرزها اشتباكات طرابلس في مطلع العام، وتجدد المواجهات المسلحة في مدينة الزاوية، إلى جانب توترات أمنية واشتباكات متفرقة في منطقة ورشفانة، ما عكس هشاشة الاستقرار الأمني وأضعف قدرة أي مسار سياسي على التقدم في ظل غياب ضمانات أمنية حقيقية.
وفي موازاة الجمود السياسي، عاد الجدل مجددًا بين المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي على خلفية تراجع توريد الإيرادات النفطية منذ سبتمبر 2025، حيث ربط المركزي الأزمة بانخفاض حجم الإيرادات الموردة، في حين اعتبرت المؤسسة أن الإشكال مالي وإداري بالأساس ولا يرتبط بالإنتاج أو التصدير. وأكد رئيس مجلس إدارة المؤسسة، ناجي عيسى، أن الخلل الحقيقي يكمن في آليات الإنفاق وإدارة الموارد، لا في القدرة الإنتاجية، مشددًا على أن تحميل المؤسسة مسؤولية الأزمة يمثل «تشويهًا غير مبرر» لطبيعة المشكلة.
وبرزت خلال العام محاولة لإطلاق ما عرف بـ«الحوار المُهيكل» كمسار جديد يهدف إلى كسر حالة الانسداد السياسي، إلا أن هذه المبادرة ولدت ضعيفة منذ بدايتها، بسبب غياب التوافق السياسي المسبق، وعدم إشراك جميع الأطراف الفاعلة بشكل متوازن، إلى جانب تشكيك واسع في نوايا القائمين عليه ومعايير اختيارهم وقدرتهم على فرض مخرجات ملزمة.
ومع اختتام عام 2025، بقي الحوار المهيكل قائما كعنوان دون مضمون فعلي، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية التي حالت دون تحويله إلى مسار جامع وقادر على إنتاج حلول. وهكذا، أنهت ليبيا عامًا جديدًا من الجمود السياسي، بانتظار توافق غائب، وحوار لم ينجح بعد في تجاوز ضعف الانطلاقة وعمق الانقسام.





