دخل الخلاف بين مجلس النواب والمحكمة العليا مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العلني، عقب تصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح التي هاجم فيها رئيس المحكمة العليا المستشار عبدالله بورزيزة، واصفًا إياه بـ”الخصم السياسي غير المحايد”، ومعتبرًا أن المحكمة تحولت، بموجب قانون صادر عن البرلمان، إلى “محكمة نقض” بعد إنشاء المحكمة الدستورية العليا في بنغازي.
تصريحات أعادت إلى الواجهة نزاعًا قانونيًا وسياسيًا مؤجلًا، خاصة أن المحكمة الدستورية سبق أن أُبطلت بحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في الخامس من مارس ألفين وثلاثة وعشرين، وهو حكم لم تعترف به رئاسة البرلمان، ما جعل التصعيد الأخير يبدو كقمة جبل الجليد لأزمة أعمق تتعلق بالصلاحيات والشرعية وحدود السلطة.
وهو صدام لم تتجنبه المحكمة العليا التي انبرت جمعيتها العمومية للدفاع عن رئيسها مؤكدة أن اختياره جرى وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، وصُدّق عليه من مجلسي النواب والدولة، معتبرة أن أي إساءة له تمثل مساسًا مباشرًا بالسلطة القضائية وفعلاً مُجرّمًا بنص القانون.
ومشددة على أن اختصاصها الدستوري ينحصر في الرقابة على دستورية القوانين، ضمانًا لدولة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات، محذرة من أن توصيفها بمحكمة “نقض” أو التشكيك في حجية أحكامها على اعتبار أن ذلك يعد تجاوزًا خطيرًا يهدد العدالة ويقوض استقلال القضاء
اصطفاف سياسي داعم للمحكمة العليا
موقف المحكمة فتح الباب أمام موجة تضامن سياسي، تصدرها مجلس الدولة، الذي أعلن دعمه الكامل وغير المشروط لبيان المحكمة العليا، معتبراً حملات التشكيك التي يتعرض لها القضاء اعتداءً صارخًا على المبادئ الدستورية وانتهاكًا خطيرًا لمبدأ الفصل بين السلطات مؤكداً أن أي محاولات من مجلس النواب لإنشاء كيانات قضائية موازية تفتقر للسند الدستوري، تشكل تصعيدًا مباشرًا ضد السلطة القضائية.
بدورها، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية انحيازها الصريح لموقف المحكمة العليا، معتبرة أن أي ضغط أو تدخل في عملها يمثل “تحريضًا مباشرًا” على خرق الإعلان الدستوري ومبادئ الدولة محذرة النواب من تجاوز حدوده الدستورية، واصفة تحركاته في هذا الملف بالخطوات الأحادية التي من شأنها تقويض المسار السياسي التوافقي، وإعادة البلاد إلى دائرة الفوضى، داعية المجتمع الدولي إلى مراقبة هذه التجاوزات والوقوف بوضوح إلى جانب استقلال القضاء.
على وقع هذا التصعيد، دخلت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على خط الأزمة، معربة عن قلقها من النزاع المتصاعد حول القضاء الدستوري، ومعتبرة أنه يشكل خطرًا مباشرًا على وحدة واستقلال ونزاهة القضاء، باعتباره أحد ركائز الدولة الليبية الموحدة.
ودعت البعثة جميع الأطراف إلى الامتناع عن أي خطوات أو تصريحات قد تؤدي إلى انقسامات داخل المؤسسة القضائية، مؤكدة استعدادها لدعم أي جهود توافقية تعزز سيادة القانون، في إطار المسار السياسي الذي تقوده ضمن خارطة الطريق التي طرحتها هانا تيتيه في أغسطس الماضي.
صراع الشرعيات وحدود السلطة
يرى مراقبون أن هذه الأزمة كشفت عن صراع أعمق من مجرد خلاف قانوني حول توصيف المحكمة العليا، إذ تعكس معركة مفتوحة حول من يملك حق تعريف الشرعية وتحديد حدود السلطة في ظل غياب دستور دائم، فمحاولات إعادة هندسة القضاء أو الطعن في حياده تمثل انتقالًا خطيرًا من منطق الدولة إلى منطق الغلبة السياسية وتكمن الخطورة في أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى شلل دستوري طويل الأمد، تصبح فيه الأحكام القضائية محل تشكيك، وتفقد المؤسسات قدرتها على الاحتكام إلى مرجعية قانونية واحدة، بما ينسف أي مسار توافقي أو انتخابي محتمل.
فلم يعد الخلاف بين مجلس النواب والمحكمة العليا نزاعًا عابرًا، بل بات اختبارًا حاسمًا لمفهوم الدولة والفصل بين السلطات في ليبيا، وبين اصطفاف قضائي وسياسي داعم لاستقلال القضاء، وضغوط تشريعية تسعى لإعادة تعريفه، يبقى الرهان معقودًا على تحييد المؤسسة القضائية عن الصراع، باعتبارها آخر خطوط الدفاع عن وحدة الدولة وهيبة القانون.





