منذ تعيينه محافظًا لمصرف ليبيا المركزي في 26 سبتمبر 2024 بموجب اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة برعاية الأمم المتحدة، دخل ناجي عيسى مرحلة مليئة بالتصريحات والوعود التي تهدف إلى إعادة الثقة في المؤسسة المالية الأهم في البلاد، وسط أزمة اقتصادية خانقة وصراع سياسي مستمر.
عقب تعيينه مباشرة، أكد أن أولويته ستكون حماية موارد الدولة من النزاعات السياسية وضمان حياد المصرف المركزي، مشددًا على أن الاتفاق على تعيينه جاء لإنهاء الانقسام الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة الإيرادات النفطية. وفي أكتوبر من العام نفسه، وعد في أول مؤتمر صحفي بإطلاق خطة لإعادة هيكلة المصرف وتحديث أنظمته المالية، وضبط الإنفاق العام، وإنهاء الفوضى في إدارة الإيرادات النفطية بما يضمن الشفافية والعدالة في توزيع الموارد.
لكن تقرير ديوان المحاسبة لعام 2024 كشف استمرار الهدر المالي، حيث بلغت تكلفة مقايضة المحروقات بالنفط الخام نحو 44.5 مليار دينار خارج سجلات وزارة المالية، إضافة إلى تضخم الإنفاق في قطاع النفط وارتفاع المرتبات بشكل غير مسبوق. كما أشار التقرير إلى أن المصرف المركزي خالف ضوابط الاستثمار بإيداع 2.5 مليار دولار لدى المصرف الليبي الخارجي بدلًا من المصارف العالمية، ما يعكس فجوة واضحة بين الوعود والواقع.
عام 2024 انتهى بتحديات أكبر مما بدأ به، إذ ظل المصرف المركزي في قلب الأزمة المالية والسياسية، ولم تنعكس وعود الإصلاح على أرض الواقع بشكل ملموس. وبينما ارتفعت الأصول والاحتياطيات إلى مستويات قياسية، استمر الهدر والفساد في الإنفاق العام، وظلت أزمة السيولة خانقة دون حلول ملموسة، ما جعل العام الأول لعيسى أقرب إلى مرحلة اختبار صعبة لم تكتمل نتائجها بعد.
خلال الأشهر التالية، اتخذ المصرف عدة خطوات لمعالجة الأزمة، أبرزها سحب الفئات النقدية القديمة وطرح فئات جديدة، ومحاولات لخفض سعر الدولار الرسمي وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، إلا أن المواطن لم يلمس أي تحسن فعلي، وظلت أسعار السوق الموازية في ارتفاع مستمر. وفي نوفمبر 2024، أعلن عيسى عن خطة استراتيجية قصيرة المدى لتنظيم السياسة النقدية وسعر الصرف، مع تفعيل لجنة السياسة النقدية بعد سنوات من الجمود.
وفي مؤتمر الاستثمار المصرفي، شدد على ضرورة أن يستعيد القطاع المصرفي دوره التنموي الحقيقي، مؤكدًا أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح تشريعي وتنظيمي ومالي متكامل، وبشراكة بين المصارف والمؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة. غير أن هذه الدعوة تقاطعت مع ما كشفه تقرير ديوان المحاسبة من تضخم في المصروفات وارتفاع غير مسبوق في المرتبات والإنفاق الخارجي، إضافة إلى مخالفات في الاستثمارات الداخلية والخارجية، ما جعل الإصلاحات ضرورة ملحة وليست مجرد خيار.
عام 2025 في عهد ناجي عيسى كان عامًا من الوعود الكبيرة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، إذ بقيت الإصلاحات مجرد تصريحات في مواجهة واقع اقتصادي مأزوم وأزمة سيولة خانقة. وبينما تحدث المحافظ عن خطط لإعادة الهيكلة وضبط الإنفاق واستعادة الثقة، ظل المواطن يواجه نفس الأزمات بلا حلول ملموسة. وهكذا، انتهى العام الأول لعيسى في المصرف المركزي كـ عام وعود بلا إيفاء، يضع المؤسسة المالية أمام اختبار أصعب في المستقبل.





